الصين تبني أضخم "حوت بلاستيكي" في العالم ماذا فعل "الساحر" المسموم بعد إنقاذه في مصر ؟ روسي يتحدى حمم الصلب المصهور بيديه العاريتين! غرفة المطر ... تجربة للاستمتاع دون التعرض للبلل إندونيسيا ... ولادة طفل بوجهين! اليابان تنصهر! مطعم للنساء في أربيل هرباً من مضايقات الرجال! الظروف الجوية المتوقعة أثناء خسوف القمر في الوطن العربي هذه الليلة للرجال والنساء ... كيف تتجنب 90% من المشاكل الصحية ؟ التوت يقي من أمراض القلب

د . إبراهيم الجعفري

ساعة الرحيل

2018-07-26

ساعة الرحيل هي ختام حياة قصيرة (الدنيا) وإن طال أمدها وإيذانٌ ببداية حياة أخرى أبدية (الآخرة) وشيكة وإن تأخرت.. الأطباء خاصة والعاملون في الحقل الطبي عامة يتعرّضون للاطلاع على شريحة معينة من المرضى وهم يوشكون على الموت في الساعة الأخيرة من حياتهم على فراش المرض؛ هذه الساعة نوعية في مراجعة رحلة العمر من بدايته الى نهايته وواقعية في استشراف حياة ما بعد الموت.. حسرة المقصّرين عميقة الحزن وبالغة الأثر !! وفرحة من خاف مقام ربِّه منهم ونهى نفسه عن الهوى أعمق وأدوم.. على سرير المرض ومن خلال نافذة الموت الوشيك لا يمزّقهم يأس ولا يتهددهم فزع يغمرهم شعورٌ بالطمأنينة عجيب وتطفح على وجوههم ابتسامة غامرة ترتسم على شفاههم وتنعكس على كلماتهم يقتربون من الموت بهدوء من دون فزع وهم يستحضرون مشهد الرضوان ويأملون الفوز بالجنان ويستذكرون سيرتهم حيث خلت من تجاوز حدود وهتك حرم ومن سفك دمٍ وانتهاك عرض وسرقة مال واشعال فتن !!
تلك الساعة.. ساعة الرحيل بحمولة ذكرياتها التاريخية التي غصّت بها سيرته وامتلأت بها ذاكرته هي ذاتها التي تبعث فيه بوارق الأمل حين تخلو من التجني في ذات الوقت التي تجعله تحت طائلة رقابة الضمير وهو يعلم كم من العدوان الذي ارتكبه أو المال الذي سرقه أو الاتهام الذي افتراه أو الحُرم التي انتهكها بحق الآخرين !!.. ساعةٌ كهذه قصيرة المدى ثقيلة الظل تنهش بنفسه وهو يندم، وإن كابر، فيما نجد سريراً آخر لمريضٍ يعيش ساعةً أخرى مفعمة بالأمل ومستبشرة بالخير.. عام 1975م وفي مستشفى الفرات الأوسط بالكوفة شهدت حوار الساعة الأخيرة بين أبٍ على فراش الموت في حادث سيارة مع ابنه وهو يتوجع منه لائماً لأنه اضطره الى الذهاب الى بيت أهل زوجته لإعادتها بالحسنى لبيت زوجها فيما كان الأب متحفظاً!! ما كان من الابن إلا أن ينهار تحت مطرقة نقد أبيه ! وقد تعرّض الى حادث سيارة في الطريق أودت بحياته وبعض أفراد أسرته !! كاد أن ينهار ما جعلني وبلا تردد أن أختلي به متسائلاً: لماذا طلبت من أبيك التشبث لإرجاع زوجك ؟ قال: لأحافظ على عائلتي (زوجي وأطفالي) قلت له: أبشر بخير "إنما الأعمال بالنيات".. ما دمت قاصداً حفظ وحدة عائلتك والإحسان لزوجتك !!
أشد ما يقض مضجع المريض في الساعة الأخيرة هو انتهاك الحقوق الثلاثة حق الله وحق الناس وحق النفس.. على فراش الموت وفي المستشفى كثيراً ما تتميّز نفسيّتان، نفسية الثبات والاستقرار ونفسية القلق والهزيمة وهي ليست من وحي ساعة الرحيل، إنما هي من صناعة مسيرة العمر من أوله حتى آخره !!
كثيراً ما تكررت مشاهد الساعة الأخيرة على فراش الموت بنوعيها ساعة أمل ورجاء وساعة يأس وخيبة !! ما أسعد الإنسان الذي يستقبل ساعة الموت بنفسٍ مطمئنةٍ وهو يستحضر سيرته ما اسعفته الذاكرة من دون شعورٍ بخيانةٍ أو سقوطٍ تحت وطأة الضمير.. عالم الآخرة اللامحدود واللامتناهي لا يقاس بعالمنا المحسوس هذا، بضعة عقود من السنين ليس إلا، تتبعها حياة أبدية.. النظرة الواقعية للآخرة تضفي على حياتنا الدنيوية واقعية كذلك بعيداً عن التكالب والانهزام والحيرة وتفسّر لنا إقدام الشهداء للتضحية وتحقيق النصر وهم يضحّون بحياتهم..


Email : contact@beladitoday.com

جميع الحقوق محفوظة لجريدة بلادي اليوم 2011-2017